بحوث كامكو: تقرير كامكو حول أداء أسواق النفط العالمية – مايو 2019

ارتفاع أسعار النفط على خلفية التداعيات الجيوسياسية يقابلها الضغوط التراجعية الناتجة عن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين 

أدت التهديدات بتقليص الإمدادات النفطية على خلفية التداعيات الجيوسياسية في منطقة الخليج إلى ارتفاع أسعار النفط هذا الأسبوع بعد تسجيلها لتراجعات متتالية على مدار الأسبوعين الماضيين. هذا بالإضافة إلى جهود المستوردين للبحث عن مصادر بديلة لخام النفط نتيجة للعقوبات المفروضة على إيران وإلغاء الإعفاءات، كما ساهمت فنزويلا في دعم أسعار عقود النفط الفورية لبعض درجات الخام لمنتجين من منطقة الخليج وأفريقيا. من جهة أخرى، اشتعلت مرة أخرى الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بعد فشل المحادثات على ما يبدو بين الشريكين التجاريين. حيث قامت الولايات المتحدة برفع الرسوم الجمركية على واردات صينية بقيمة 200 مليار دولار أمريكي من نسبة 10 في المائة إلى 25 في المائة، كما يشاع عزمها فرض الرسوم الجمركية على كافة الواردات الصينية. وقوبل ذلك بقيام الصين باتخاذ إجراءات مضادة تمثلت في فرض رسوم جمركية على سلع أمريكية بقيمة 60 مليار دولار أمريكي ابتداءً من يونيو 2019، إلا أن الصين استثنت رفع الرسوم الجمركية على الواردات النفطية الأمريكية بينما زادتها على واردات الغاز الطبيعي المسال.

وقد أثرت التطورات الأخيرة على كلا من جانبي الطلب والعرض لسوق النفط. وتبرز عوامل جانب الطلب إلى حد كبير المخاطر السلبية المحيطة بأسعار النفط على المدى القريب. حيث أن عودة اشتعال الحرب التجارية لم تقم سوى بإخافة الاسواق التي عاصرت بالفعل ضعف المؤشرات الاقتصادية من جانب مستوردي النفط الرئيسيين. ويشمل ذلك التراجعات المتتالية في مبيعات السيارات في الصين والهند بالإضافة إلى توقع وصول السوق الأمريكية لمستويات الذروة ومن المتوقع أن تتراجع معدلات النمو على المدى القريب. وفي أحدث التقارير الشهرية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الامريكية تم خفض توقعات نمو الطلب العالمي على النفط هامشياً. كما ذكر التقرير ايضاً إن أسعار النفط، التي تم تداولها مؤخرًا فوق مستوى 65 دولار أمريكي للبرميل، لها تأثير سلبي على الطلب من المشترين الآسيويين.

أما على جانب العرض، فإن الزيادة المتوقعة في المعروض النفطي من الولايات المتحدة قد تم اخذها في الاعتبار بالفعل ضمن عوامل تسعير النفط. إلا انه يبدو أن هناك عددًا من العوامل الأخرى التي لها تأثير قد يعادل ارتفاع إمدادات النفط الأمريكية، بما في ذلك فرض العقوبات على إيران وفنزويلا، وتراجع إمدادات النفط من روسيا إلى أوروبا على خلفية تعطل خط أنابيب النفط. كما تشهد أوروبا أيضًا بعض المناطق التي يرتفع فيها الطلب على النفط على خلفية توقع تزايد تشغيل مصافي التكرير في الأشهر المقبلة بالإضافة إلى انخفاض المعروض من مصدري النفط الثقيل، بما في ذلك تراجع الإمدادات من بحر الشمال بسبب انقطاع الإنتاج، إلى جانب درجات الخام النيجيرية والأنجولية.

بالإضافة إلى ذلك، تستمر القيود المفروضة على الإنتاج من أعضاء الأوبك وحلفائها الآخرين حيث انه من المقرر ان يتم  اتخاذ قراراً في يونيو 2019 بشأن سياسة الإنتاج المستقبلية للمجموعة. وفي مايو 2019، ظل إنتاج أوبك النفطي ثابتًا على أساس سنوي عند مستوى 30.3 مليون برميل يوميًا وفقًا لبيانات وكالة بلومبرج، حيث واصلت السعودية الإنتاج بمستويات منخفضة تعد الأدنى منذ أربعة أعوام. من جهة أخرى، فإن الإنتاج في ليبيا وعلى الرغم من ظهور بشائر نمو واعدة في ظل الاستثمارات الجديدة إلا انه لا يزال هشاً نتيجة لعدد من الحوادث الأخيرة التي أثرت على منشآت النفط في البلاد. كما انه خلال مايو 2019 يقال إن الإنتاج الروسي كان متماشياً مع الحصص المقررة ضمن اتفاقية الأوبك وحلفائها، فيما قد يعزى أيضًا لخفض الإمدادات إلى أوروبا بسبب مشكلة التلوث.

الاتجاهات الشهرية لأسعار النفط

اتخذت أسعار النفط اتجاها تراجعياً خلال الأسبوعين الماضيين بعد أن وصلت إلى أعلى مستوياتها المسجلة منذ نوفمبر 2018 حيث بلغت 75 دولار امريكي للبرميل في الأسبوع الأخير من أبريل 2019. وقد شمل التراجع سوق السلع الأساسية بصفة عامة على خلفية النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين بعد فشل الطرفان في التوصل إلى أية حلول. وجاء الارتفاع الكبير في الأسعار في أبريل 2019، والذي شهد ارتفاع الأسعار بنسبة 6.3 في المائة مقارنة بإغلاق مارس 2019، بعد أن أوضحت تصريحات الأوبك اتباع نهج منضبط لزيادة الإنتاج الخام لمواجهة النقص الناتج عن العقوبات المفروضة على إيران وفنزويلا. إلا ان صدور تقارير تشير إلى ارتفاع الإنتاج من الولايات المتحدة وزيادة المخزونات سرعان ما أثرت سلباً على ارتفاع الأسعار ودفعتها إلى الانخفاض أكثر من 4 في المائة في جلسات التداول التالية. كما أدى الضغط المتزايد من الولايات المتحدة على منتجي الأوبك لرفع الإنتاج وخفض أسعار النفط أيضًا للمساهمة في خفض الأسعار. وفي ذات الوقت، واصل مخزون النفط في الولايات المتحدة ارتفاعه دون توقف، خاصة خلال أبريل 2019، حيث ارتفع بأكثر من 27 مليون برميل في الأسابيع السبعة الأخيرة حتى الثالث من مايو2019. إلا انه على الرغم من ذلك، فإن الانخفاض المفاجئ في المخزون بواقع 3.96 مليون برميل كما ورد ضمن آخر تقرير أسبوعي ساهم في دعم الأسعار. كما عكست البيانات الإحصائية الحديثة الصادرة عن بيكر هيوز التباطؤ الهامشي في إنتاج النفط الأمريكي. فوفقًا لأحدث تقرير أسبوعي، انخفض عدد منصات الحفر النفطي الأمريكية بواقع منصتين ليصل إلى 805 منصة نفطية نشطة، ليعادل بذلك زيادة مماثلة في الأسبوع السابق. وأظهرت بيانات منصات الحفر الشهرية التي نشرتها شركة بيكر هيوز أن عدد منصات الحفر في الولايات المتحدة بلغ 1,012 (بما في ذلك منصات الغاز)، بانخفاض قدره 11 منصة حفر مقارنة بأرقام مارس 2019. من جهة أخرى، ارتفع عدد منصات الحفر الدولية بواقع 23 منصة في أبريل 2019، حيث بلغت 1,062 مع إضافة منطقة الشرق الأوسط لأكبر عدد من الحفارات خلال الشهر.

وكان متوسط أسعار النفط لكافة الفئات الرئيسية تقريبًا إيجابيًا في أبريل 2019 مقارنة بمستويات مارس 2019. حيث ارتفع متوسط أسعار خام الأوبك بنسبة 6.6 في المائة على أساس شهري في أبريل 2019، واستعاد بذلك مستوى 70 دولار أمريكي للبرميل للمرة الأولى منذ ستة أشهر ليصل في المتوسط إلى 70.8 دولار أمريكي للبرميل، كما يشهد هذا الشهر ايضاً ارتفاع السعر للشهر الرابع على التوالي. وسجل متوسط سعر خام النفط الكويتي نمواً بنسبة 6.6 في المائة وبلغ في المتوسط 71.2 دولار أمريكي للبرميل، في حين ارتفع متوسط سعر خام مزيج برنت بنسبة 7.7 في المائة ليصل إلى 71.2 دولار أمريكي للبرميل.

الطلب العالمي على النفط

ظلت تقديرات الطلب العالمي على النفط للعام 2018 ثابته دون تغيير وفقاً لأحدث التوقعات الشهرية لمنظمة الأوبك، حيث يتوقع ارتفاع الطلب بنسبة 1.41 مليون برميل يومياً ليصل إلى 98.7 مليون برميل يومياً. كما بقيت توقعات نمو الطلب للعام 2019 دون تغير هي الأخرى عند مستوى 1.21 مليون برميل يومياً، ليصل بذلك اجمالي الطلب إلى 99.94 مليون برميل يومياً. إلا انه على الرغم من ذلك، طرأت بعض التغييرات على مستويات الإنتاج المقدرة لكل دولة على حدة. حيث ارتفعت توقعات الطلب هامشياً من قبل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بواقع 0.1 مليون برميل يومياً بما يعكس بشكل أساسي ارتفاع الطلب من جهة الولايات المتحدة والذي قابله جزئيًا انخفاض هامشي من أوروبا لبقية العام. أما بالنسبة لمجموعة الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من المتوقع أن يكون نمو الطلب في العام 2019 أقل هامشياً مقارنة بتقديرات الأشهر الماضية بسبب خفض توقعات الطلب لأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط على خلفية بيانات الطلب الضعيفة في الربع الأول من العام 2019 بالإضافة إلى تراجع آفاق النمو الاقتصادي. إلا انه على الرغم من ذلك، تم تعديل الطلب للصين ورفعه هامشياً بما يسلط الضوء على تحسن الآفاق الاقتصادية.

العرض العالمي للنفط

وفقاً للبيانات الأولية، تراجع العرض العالمي للنفط للشهر الخامس على التوالي في أبريل 2019، حيث استمرت مستويات العرض في التراجع دون مستوى 100 مليون برميل يومياً وبلغت التوقعات 98.82 مليون برميل يومياً في أبريل 2019، مسجلة تراجعاً شهرياً بواقع 0.07 مليون برميل يومياً. وخلال الشهر، تراجعت امدادات الدول غير الأعضاء بمنظمة الأوبك بواقع 0.07 مليون برميل يومياً بسبب تراجع الإنتاج من كل من كازخستان وكندا والصين وروسيا. أما بالنسبة للعام 2018 بأكمله، فان توقعات نمو المعروض النفطي للدول غير الأعضاء بمنظمة الأوبك قد تم تعديلها ورفعها هامشياً بواقع 8 آلاف برميل يومياً، ومن المتوقع الآن أن ينمو بمعدل 2.91 مليون برميل يومياً خلال العام ليصل في المتوسط إلى62.37 مليون برميل يومياً. وتعكس تلك المراجعة بصفة رئيسية الى ارتفاع الإنتاج الكندي في الربع الرابع من العام 2018. كما طرأ تعديل على توقعات نمو المعروض النفطي للدول غير الأعضاء بمنظمة الأوبك للعام 2019 وخفضه بواقع 33 ألف برميل يومياً إلى 2.14 مليون برميل يومياً، ويتوقع الآن أن يبلغ في المتوسط 64.52 مليون برميل يومياً. وعكس ذلك الانخفاض في المقام الأول الى تراجع المعروض أكثر مما كان متوقعاً من الولايات المتحدة والبرازيل والمملكة المتحدة بواقع 180 ألف برميل يومياً والذي تم تعويضه جزئيًا عن طريق رفع التوقعات الخاصة بالصين بواقع 55 ألف برميل يومياً في الربع الأول من العام 2019.

ظل إنتاج منظمة الأوبك منخفضاً في أبريل 2019 ولم يسجل سوى ارتفاعاً هامشياً بواقع 25 ألف برميل يومياً خلال الشهر ليصل في المتوسط إلى 30.3 مليون برميل يومياً وفقاً للبيانات الصادرة من وكالة بلومبرج. وأظهرت بيانات من مصادر الأوبك الثانوية أيضًا عدم تغير ارقام الإنتاج، حيث تراجع متوسط إجمالي الإنتاج بشكل أكبر إلى 30.03 مليون برميل يومياً خلال الشهر بالنسبة للأوبك. من جهة أخرى، كان هناك تغييراً هامشياً في مستويات الإنتاج الفردي لكل منتج على حدة، فوفقاً لوكالة بلومبرج، قامت السعودية بخفض إنتاجها خلال الشهر بواقع 30 ألف برميل يومياً ليصل إلى 9.79 مليون برميل يومياً فيما يعد أدنى مستوياتها على مدى 52 شهرًا. وتضمنت قائمة ابرز المنتجين الآخرين الذين قاموا بخفض انتاجهم  إيران وأنجولا، حيث قامتاً بخفض الإنتاج الشهري بواقع 80 ألف برميل يومياً و 60 ألف برميل يومياً، على التوالي. حيث انخفض إنتاج أنجولا إلى مستوى قياسي جديد، يعد الأدنى منذ 13 عامًا، ليصل إلى 1.38 مليون برميل يومياً خلال الشهر على خلفية انقطاع الانتاج وأعمال الصيانة.